ملخص لمقال:

هل سيترك كوفيد-19 بصمة على نهاية الخدمة الصحية الوطنية القائمة على المساواة؟

زينب الستراوي
المعهد العربي للإصلاح الرقمي

إن النمو السريع لحالات كوفيد-19 حول العالم سلط الضوء أيضًا على الصعوبات التي واجهتها الحكومات في التعامل مع تخصيص الموارد الشحيحة. ففي البداية، يكشف هذا المقال عن الأسباب التي تجعل تخصيص موارد الرعاية الصحية مسألة عدالة في بريطانيا، ويفسر لماذا يتطلب قانون الرعاية والسياسة الصحية نهجًا فلسفيًا في أوقات التغيير والأزمات الحاسمة. ويقدم ثانيًا تحليلًا نقديًا للوضع الراهن لتخصيص موارد الرعاية الصحية، وتقديم الخدمات للمرضى المتضررين بشكل مباشر أو غير مباشر من الفيروس. ويخلص التقرير إلى أن المفهوم الليبرالي القائم على المساواة في عدالة التوزيع في قلب هيئة الخدمات الصحية الوطنية، والذي يهدف إلى ضمان الوصول الحر والمتساوي إلى الرعاية الصحية أصبح عرضة للخطر، ويحل محله الآن نهج نفعي يستند إلى ترتيب الأولوية بين المرضى لتوفير الخدمات في هذا الوقت الحرج.

ويشرح المقال مفهوم العدالة من الناحية النظرية بمعاملة المتشابهين والمختلفين على قدم المساواة مع مراعاة اختلافاتهم، بتوازن احتياجات ورغبات الأفراد مع مطالبات المجتمع التي تتعلق بالعلاقات الإنسانية في النظام الاجتماعي وقضايا التوزيع. وبوصف العدالة التوزيعية عنصرًا من عناصر العدالة، فهي توفر أساليب لتخصيص الموارد. وتماشياً مع هذه الاعتبارات النظرية، فإن الأساس للعدالة الليبرالية المتساوية التي تقوم عليها هيئة خدمات الرعاية الصحية الوطنية في بريطانيا تهدف إلى توفير فرص متساوية للحصول على الرعاية من خلال توافر الخدمات الممولة من القطاع العام عند الاستخدام. فمنذ البداية، استندت هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلى أفكار العدالة والمساواة وفهم أنه يجب تقاسم الموارد حتى يحصل الأغنياء والفقراء على نفس الوصول إلى الخدمات. وسيتم التعامل مع الجميع على قدم المساواة، حتى المرضى الأكثر عرضة للعدوى، وذلك بفضل إعادة توزيع الموارد ونظام الإمداد على أساس الاحتياجات وليس الوسائل. وكان على هيئة الخدمات الصحية الوطنية أن تطور ساحة العمل في مجال الرعاية الصحية من خلال توفير المزيد من الرعاية للأشخاص الأقل اهتمامًا بهم والأكثر عرضة للمرض، فضلاً عن المساواة في الوصول إلى الخدمات لجميع أنواع المرضى الآخرين.

ويذهب الكاتب من التحدث عن طرق المساواة وكيفيتها إلى كيف لكوفيد-19 أن يبدأ نقلة نوعية في خاصةً الإجراءات الطبية، وذلك لأنه يمثل تحدي غير مسبوق تاريخيُا. فيواجه الوباء الحالي هيئة الخدمات الصحية الوطنية بمطالب وضغوط غير مسبوقة ذات تأثير مباشر على وحدات العناية المركزة والقوى العاملة الطبية.

وقد سجلت بعض مجموعات المرضى، مثل كبار السن والأفراد المصابين بأمراض مصاحبة معدلات وفيات أعلى، حيث أن البعض الآخر المتأثر بعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية الكامنة التي كانت قائمة قبل انتشار العدوى هم أيضًا أكثر عرضة للإصابة بالفيروس ومع ذلك، فإن العدوى بطبيعتها لا تستطيع التمييز، وتؤثر على جميع الأوضاع الاجتماعية مثل الغنى والفقر، ولكن لا يعني ذلك وصول الجميع لنفس الخدمات الصحية.

وبذلك يتم التركيز بشكل أكبر على تحديات تخصيص الموارد، فيتعين على الحكومة تحديد كيفية تخصيص الموارد النادرة مع الحاجة المتزايدة والملحة للتخفيف من التأثير على هيئة الخدمات الصحية الوطنية والسكان.
ومن ثم يتبين لنا أن المساواة لا يمكن تطبيقها بسهولة، حيث إذا كان على نظام الرعاية الصحية البريطاني أن يتماشى مع مبادئ العدالة المتساوية، فسيتم تقديم خدمات الرعاية الصحية على قدم المساواة لجميع المرضى الموجودين في نفس المنطقة. ولكن، فإن حقيقة الوباء لا تسمح للنظام بتوزيع موارده من أجل الحفاظ على المساواة. فعلى سبيل المثال، لا يمكن للمرضى مشاركة وقت جهاز التنفس الصناعي أو أيام النوم في المستشفى. وبالتالي يعود النظام تلقائيًا إلى “أساس من يأتي أولاً يُخدم أولاً” بحكم الأمر الواقع حتى يتم استنفاد الموارد. وسيتم الوصول إلى منعطف حرج في المستقبل القريب، حيث سيضطر الأطباء للاختيار بين توفير ظروف تحافظ على الحياة للمرضى أو التخلي عن علاجهم.

ومن المبادرات التي تم ذكرها أن الحكومة مع نظرائها الأوروبيين تعمل على تحول في سياسة الرعاية الصحية نحو نموذج نفعي للترشيد مع المساواة في الوصول كأولوية من الدرجة الثانية. فعلى سبيل المثال، في 21 مارس 2020، قدم المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية بسرعة فائقة إرشاداته السريعة حول كوفيد-19 لتسهيل تقييم أطباء العناية المركزة للمريض الذي يحتاج إلى قبوله في الرعاية الحرجة. وتشير التوصيات إلى أن الأطباء يأخذون في الاعتبار الفائدة الطبية، بما في ذلك احتمال تعافي المريض من دخوله في العناية الحرجة. وإن الوقت فقط هو الذي سيحدد ما إذا كانت هذه المعايير قد فرضت بشكل غير مباشر تقنينًا قائمًا على العمر، بمعنى أن المرضى المسنين يميلون إلى أن يكون لديهم ميل أكبر للأمراض المصاحبة ويمكن تقييمهم على أنهم أقل احتمالية للتعافي من العناية الحرجة.
وكما تشعر الفئات الضعيفة الأخرى من المرضى بتداعيات هذا التغيير في استراتيجية التخصيص. فالأفراد الذين يحتاجون إلى زراعة الأعضاء من متبرعين أحياء قد تم أيضًا تأجيل أو إلغاء عملياتهم الجراحية، خوفًا من أنهم سيأخذون أسرّة العناية المركزة بعد العملية. وتم نقل مواعيد الفحص الروتيني إلى حد ما عبر الإنترنت، لكن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة التي قد تتطلب اهتمامًا إضافيًا يميلون إلى الامتناع عن طلب المساعدة خوفًا من إثقال كاهل نظام الرعاية الصحية.

وقد تم استبدال المساواة في الحصول على الطب الوقائي لتخصيص الموارد النادرة للأفراد الأكثر عرضة للخطر فلم تعد هيئة الخدمات الصحية الوطنية تقدم الفحص في المجتمع، واحتفظت بهذا الإجراء في المستشفى للمرضى الذين يعانون من نقص المناعة ومرضى العناية المركزة. وطُلب من المرضى الآخرين الذين يعانون من أعراض لا تتطلب رعاية طبية عزل أنفسهم دون تشخيص رسمي. وبالإضافة إلى ذلك، في محاولة لتوفير استجابة مركزية للأزمة، قامت الحكومة بصياغة قانون الطوارئ. فمن بين الشروط الخاصة الأخرى، يتضمن قانون فيروس كورونا أحكامًا لمنح تصريح مؤقت بالممارسة لأخصائيي الرعاية الصحية ومتطوعي الطوارئ المعينين. وإن الأمر الأكثر لفتًا للنظر هو تركيز السلطات العامة على المسؤولية الفردية والعمل الجماعي. فبدون أي علاج أو لقاح متاح، سعت الحكومة إلى تخفيف الضغط عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية من خلال تحفيز عامة الناس على اعتماد تدابير التباعد الاجتماعي وعزل الأفراد أنفسهم إذا اشتبهوا بإصابتهم بالفيروس، وذلك في محاولة لعدم الإنقاص من الموارد من نظام الرعاية الصحية. ومع ذلك، قد تم نسيان الفئات المحرومة مثل الأشخاص الذين ينامون في العراء أثناء الجائحة، الذين أقل وصولًا هيئة الخدمات الصحية الوطنية، مما يعرضهم لخطر أكبر للإصابة بالعدوى.

وفي آخر قسم من المقال نرى استنتاجات الكاتب، حيث أنه يرى أن النقاشات حول من يجب أن يلقى حتفه أولاً المجتمع قلقًا، وهذا جزئيًا هو السبب وراء ضياع فرصة للحوار الجماعي في بداية الوباء. لذا يجب الآن ترك بعض القرارات الأكثر مأساوية في أيدي الأطباء على الأرض. فيتم الفرز بين المرضى الوافدين على أساس يومي، ومع ذلك، إن الخيارات على المستوى النظامي، مثل تخصيص أسرة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي وأدوات الفحص بين المستشفيات المختلفة، تظل من اختصاص الحكومة. ولكن سيستمر الأطباء في اتباع المبادئ الأخلاقية والعمل بما يخدم مصالح مرضاهم. وقد تتعارض هذه المبادئ أحيانًا أو تعمل بشكل مستقل عن الإرشادات الحكومية التي تملي تخصيص الموارد على المستوى الكلي. ومع ذلك، سيتعين على الأطباء تعديل تقييمهم السريري لتقليل الموارد وتعظيم الفائدة الكبرى بما يتماشى مع سياسات الحكومة النفعية للرعاية الصحية.
وسيكون لتكلفة رفع مستوى العناية الحرجة والمركزة في الإقليم بأكمله وشراء الخدمات وأسرّة المستشفيات في القطاع المستقل آثار طويلة الأجل على الشؤون المالية لهيئة الخدمات الصحية الوطنية. ولقد حان الآن الوقت لنا لكي نتقبل أن هيئة الخدمات الصحية الوطنية ستواجه خيارات صعبة في الأسابيع والأشهر وحتى السنوات القادمة نتيجة لهذا الوباء المدمر. ولسوء الحظ، سيكون البعض ضحايا بشكل مباشر لكوفيد-19 والبعض الآخر بشكل غير مباشر، بسبب نقص موارد العناية الحرجة والعناية المركزة أو بسبب التأخير في العلاج.

وينتهي المقال بتذكيرنا أن الموارد تستخدم باستمرار لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح من أجل توفير فرصة عادلة ومتساوية لمتابعة خطط الحياة عند التعافي من المرض. وقد لا تعود الأمور أبدًا إلى سابق عهدها قبل هذا الوباء، خاصة فيما يتعلق بنظام الرعاية الصحية والموارد المتاحة، فنحن ندخل مرحلة جديدة أثارت حزنًا شخصيًا وجماعيًا لفقدان الحياة الطبيعية. ومع ذلك، فقد أتاح لنا هذا التدارك السريع فرصة لمناقشة الموارد التي نرغب في تخصيصها لهيئة الخدمات الصحية الوطنية كمجتمع في المستقبل، والطريقة التي نعتقد أنها الأفضل لتقنين ما هو متاح الآن.

المقال الأصلي:

الكاتب: سابرينا جيرمان

الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج

الرابط: https://doi.org/10.1017/err.2020.33

Share This Post
Have your say!
00

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.