ملخص لمقال:

التفاعل المبكر بين البشر والأرانب البرية في العصر الحجري الحديث شمال الصين

حسين عبدالهادي
المعهد العربي للإصلاح الرقمي

يقدم لنا التاريخ صور واضحة عن الكيفية التي عملت بها جوانب المجتمع المختلفة، مثل التكنولوجيا وأنظمة الحكم والأنظمة الغذائية، في الماضي لفهم كيف أصبحت تعمل على النحو التي هي عليه، وملاحظة وفهم سلوك الناس والمجتمعات على مدى العصور، القديمة منها والحديثة. كما يلقي التاريخ الضوء على التغيرات التي طرأت على العادات والممارسات الثقافية لكل مجتمع، وكيف اختلفت تجاربهم باختلاف الوقت والمكان، وصراعهم على البقاء في ظل مختلف الظروف. ولكي نفهم السبب من وراء حدث ما، فإننا بحاجة الى تسليط الضوء على العوامل التي حدثت في وقت سابق. ويجدر بالذكر أن التاريخ ليس محصورًا على المجتمعات البشرية وحسب، بل يشمل التغيرات التي تطرأ على البيئة الحيوانية والنباتية أيضًا، وربما يكون تأثير المجتمعات البشرية على الطبيعة والبيئة المحيطة أفضل مثال لشرح ذلك.

إن التأثير البشري على الطبيعة بارز على مدى العصور، ودلالات الاحتلال البشري لشتى المناطق الزراعية والهضاب وحتى الجبال واضحة. فما هي هذه التأثيرات؟ وكيف ساهمت في تغيير البيئة النباتية والحيوانية؟ وهنا، نضع الصين في فترة العصر الحجري الحديث تحت المجهر، وبالأخص شمال الصين.

من الممكن أن يؤدي التدخل البشري الى احداث تغيرات في البيئة، والتي بدورها تؤدي الى تغيرات في النظام الغذائي. وكانت الصين في أواخر العصر الحجري الحديث خير مثال على ذلك، حيث تؤثر بشكل كبير على سلوك الثدييات الصغيرة، مثل الأرانب والأرانب البرية، من خلال التوسع في زراعة نوع معين من النباتات (نبات الدخن)، وأدى هذا التوسع الى تشكيل ضغوط انتقائية على الثدييات الصغيرة جذبتها نحو الحقول والمستوطنات. ونظرًا لقدرة الأرانب، البرية بالأخص، على التكيف واتساع نطاقها الجغرافي، فإنها غالبًا ما تلجأ الى استهلاك المحاصيل الزراعية والبذور في المناطق المأهولة عندما يندر الطعام. ويشير انتشار الهياكل العظمية للأرانب بكثرة في المواقع الأثرية في الصين، وتمثيلها لحوالي 40% من التجمعات الحيوانية إلى أن الأرانب كانت تستخدم من أجل لحومها وفرائها. ولم تكن الأرانب هي الثدييات الوحيدة التي تأثرت بالعامل البشري، حيث لعبت الفئران دورًا في بعض المناطق، مثل بلاد الشام، من خلال استهلاكها لأكوام قمامة الصيادين. وهذا التعايش يشكل علاقة تكافلية بين الانسان والفئران.

كانت هذه بداية التفاعلات بين البشر والثدييات الصغيرة. وتطورت هذه التفاعلات الى علاقات تتمثل في استئناس الأرانب وتربيتها، أبعد من مجرد كونها علاقات تكافلية بين المفترس (الانسان) والفريسة (الأرانب). كما تم العثور على بقايا وعظام أرانب في مختلف السياقات، مثل السياقات الدينية والجنائزية، حيث وجدت بقايا وعظام الأرانب في بعض القبور والمدافن. بالإضافة الى أن معظم الآثار تشير الى أن البشر نسبوا أهمية دينية وروحية للأرانب، وتم توثيق ذلك في الأدب والفن. حيث تم العثور على العديد من التمثيلات الرمزية والزخارف على المصنوعات البرونزية، كما تم تفصيل هذه الشعائر والطقوس أيضًا في النصوص الأولى في بعض الكتب، مثل كتاب شيجينغ (كتاب قصائد، منذ القرون الحادية عشرة الى السابعة ق.م). وتم وصف الأرانب في الأساطير ورسمها في النقوش الحجرية وتمثيلها بالقمر منذ عهد حكم سلالة هان للصين (من 202 قبل الميلاد الى 220 ميلاديًا). كما تم تزيين بعض المعدات الحربية بمجسمات وزخارف للأرانب. ويجدر بالذكر أن هذه الممارسات الجنائزية انتشرت في مناطق أخرى غير الصين، مثل المجر، حيث تم دفن أرنب مع امرأة مسنة، وتم أيضًا اكتشاف عظام تعود الى 12 أرنبًا في مقبرة في السويد.

في الختام، ان التحاليل التي أجريت على بقايا الثدييات الصغيرة، وبالأخص بقايا الأرانب، تشير إلى أن التدخل البشري المتمثل في زراعة محاصيل معينة ساهم على نزوح وزيادة التجمعات الحيوانية في المناطق المأهولة. وبذلك، تطورت علاقات تكافلية بين البشر والثدييات أدت الى استئناس الأرانب، والذي بدوره أدى الى تطور العلاقات الى مدى أبعد من ذلك؛ وصولًا الى العادات والطقوس الدينية والجنائزية.

المقال الأصلي:

الكاتب: بينغفي شنغ ووياوو هو ووتشويونغ سون ووليبينغ يانغ ووسونغمي هو ووبنجامين ت. فولر ووشيوشانغ

الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج

الرابط: doi.org/10.15184/aqy.2020.36

Share This Post
Have your say!
00

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.