ملخص لمقال:

حياة عوائل المجرمين المختلين عقليًا في العصر الفيكتوري

زينب الستراوي
المعهد العربي للإصلاح الرقمي

إن مقال “حياة عوائل المختلين عقليًا المجرمين في العصر الفيكتوري” يستخدم رسائل مكتوبة من قبل عائلات المرضى المحالين إلى مصحة برودمور الفيكتورية للمجرمين المختلين عقليًا، لتقديم أول فحص مستدام لآثار الإدخال إلى المصحة على أفراد أسرة المرضى، من خلال تحويل التركيز من التأثيرات على المرضى إلى التأثيرات على العائلات، واتباع نهج جديد وهو الانخراط في تاريخ الأسرة، والتركيز على أفراد الأسرة، والنظر في العوامل بما في ذلك العمر والطبقة والجنس والتغيير بمرور الوقت ومرحلة الحياة. ويبحث في مدى وصول وأهمية الإدخال للمرضى خارج جدرانها، ويروي قصة مهمة وغير مروية من منظور أفراد الأسرة، ويفتح رؤى جديدة في تاريخ المصحات والحياة الأسرية في أواخر القرن التاسع عشر. ومن المثير للاهتمام وجود اقتباسات كثيرة على طول المقال للرسائل المرسلة من عوائل المرضى وإليهم، والتي تستخدم كأمثلة استدلالية. ويبرر استخدام هذه الرسائل العائلية بأنها توفر لمحة الجانب الإنساني والعاطفي لحياة المريض والأسرة، وهو جانب غالبًا ما يكون مفقودًا من المصادر البيروقراطية الرسمية.

وفي النصف الأول من المقال، يتضح أن آثار الإدخال للمصحة على العائلات لم تكن اقتصادية فقط أو حتى بشكل أساسي. فقد أثرت على علاقاتهم خارج المصحة، وشعورهم بالذات، حيث أن الفرد في الأسرة “لعب دورًا مهمًا في صياغة هويته الشخصية، حيث إن فقدان أحد الأقارب لبرودمور أجبر بعض أفراد الأسرة على إعادة تشكيل دورهم في الأسرة. ويُظهر النصف الثاني من المقال أن الروابط الأسرية والعلاقات العاطفية كانت ذات أهمية كبيرة للطبقة العاملة الفيكتورية، على الرغم من الصعوبات المادية والعاطفية التي واجهها بعض أفراد الأسرة والتحديات في حياتهم اليومية وهوياتهم. ووجد البعض طرقًا جديدة لإعطاء معنى لعلاقتهم مع قريبهم المسجون على الرغم من المسافة بينهم، وسعوا إلى إضفاء معنى لكلماتهم وأفعالهم في الرسائل على الرغم من الصعوبات التي تسبب فيها إدخالهم لبرودمور. ومع ذلك، فإن هذا الارتباط المستمر كان له تكاليف إضافية على العائلات. ففي حين استمر التضامن الأسري، كان للإدخال آثار طويلة الأمد وبعيدة المدى، بما في ذلك المراقبة من قبل المصحة طالما أن قريبهم على قيد الحياة، حتى لو تم الإفراج عنه.

إن التركيز على الجانب الاقتصادي أي المادي لا يفي بالغرض، حيث إنه يصور العائلات الفيكتورية كوحدات براغماتية في المقام الأول للاقتصاد المحلي بدلاً من الناس الأحياء الذين لديهم مشاعر والذين كشف عنهم مؤرخو الأسر. وعلاوة على ذلك، تتجاهل النُهج التي تنظر إلى الأسرة ككل بدلاً من أفرادها، وحقيقة أن التأثيرات لم يتم احتواؤها داخل الأسر الفردية، والأهم من ذلك، أن أفراد الأسرة المختلفين قد تأثروا بشكل مختلف، ووجدوا طرقًا مختلفة للتغلب على فقدان أحد الأقارب في المصحة. وإن إغفال هذه الأشياء يقلل من أهمية وتأثير المصحة في العصر الفيكتوري، ويشوه صورة عائلات الطبقة العاملة الفيكتورية التي تحاول العيش في الحياة بدون زوج أو والد أو طفل أو شقيق.

وباستخدام المئات من الرسائل، التي بقيت في ملفات حالة المرضى، استكشف المقال التأثيرات المادية والعاطفية على أفراد الأسرة لوجود قريب تم إدخاله إلى برودمور. وإن كمية رسائل برودمور ومحتواها وسياقها تجعلها مصدرًا ثريًا بشكل غير عادي وبدون وسيط لدراسة آثار الإدخال إلى المصحة على العائلات، حيث يمكننا قراءة مشاعرهم ورؤية لمحات عن حياتهم وأفعالهم اليومية. ويبدو أن عائلات المرضى المحتجزين بدون فترة محددة قد كتبوا معظم الرسائل، وبالتالي هم محور التركيز الرئيسي للمقال، ولكن في بعض الأحيان تظهر بعضها لعائلات المرضى المدانين المجانين. وبينما يبدو أن هناك عددًا أقل من الرسائل منهم، فإن هذا لا يعني أنهم كانوا غير مباليين. فتم نقل بعض المحكوم عليهم إلى برودمور دون علم عائلاتهم، حيث أن البعض لم يكن لديهم نفس التواصل العائلي مثل المرضى المحتجزين بدون فترة محددة. وربما تضاءل التواصل بسبب القيود المفروضة على كتابة الرسائل أثناء وجودهم في السجن، وهو الأمر الذي “قلل إلى حد كبير من فائدة الرسائل لأي شخص يسعى بصدق إلى الحفاظ على الارتباط العاطفي بشخص ما في الخارج.

وتكشف الرسائل الباقية عن الأهمية العملية لعلاقات أفراد الأسرة مع أقاربهم المسجونين وتأثيرها على العائلات، سواء أثناء إدخال أحد الأقارب أو بعد تسريحهم. ونظرًا لأن 84 في المئة من الذين تم إدخالهم إلى برودمور بين عامي 1863 و1900 كانوا من الطبقة العاملة، فإن الرسائل توفر أيضًا رؤية غير عادية على الحياة الأسرية للطبقة العاملة والعواطف والشخصيات. وفي الظروف العادية، لم تتبادل عائلات الطبقة العاملة بالرسائل العادية أو تحتفظ بها، ولكن الانفصال القسري لإدخال المرضى شجع المراسلات بالرسائل. وإن الجودة الشفوية للرسائل تشير إلى أن الفقراء كانوا يكتبون لأنفسهم، فقد كتب أفراد الأسرة من الذكور والإناث، أحيانًا من نفس العائلة، إلى برودمور، وغالبًا ما تبدو الرسائل بمثابة بدائل للمحادثات التي يمكن أن نتخيل كانت ستحدث في المنزل أو في مكتب المشرف، حيث لم تكن المسافة تتطلب التواصل بالكتابة.

ودخل معظم المرضى برودمور في بداية حياتهم، بين منتصف العشرينيات وأوائل الأربعينيات من العمر، عندما كانت الأسرة بأكملها تعتمد على دخل الرجل وعلى العمل المنزلي للمرأة، بما في ذلك رعاية الأطفال. ووجدت العديد من العائلات أن غياب الزوج أو الوالدين أو الطفل أمرًا صعبًا ماليًا وعاطفيًا، فقد فرض على من الأزواج والزوجات إلى أن يقوموا بدور مزدوج وهو دور ربة المنزل والمعيل، مما جعل كل منهما يعاني بدوره. ولقد أظهر مؤرخو الأسرة كيف كانت المرأة مفيدة للمنزل في العصر الفيكتوري، فكانوا يعملون مقابل الأجر وربات بيوت والقائمين بالرعاية أيضًا.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، كان أن يكون المرء زوجًا وأبًا يعني قيادة وممارسة السلطة على الأسرة وتوفير الدعم المالي. وأجبر غياب أزواج بعض زوجات المرضى على إعادة صياغة هوياتهن من خلال تحمل هذه المسؤوليات. وفي بعض أسر الطبقة العاملة العادية، حرصت الأمهات على إبقاء سلطة أزواجهن، حيث كان الآباء يعاقبون أبنائهم ويكافئونهم. ولكن لا يمكن أن تهدد زوجات المرضى أبنائهم بحضور آبائهم، لكن البعض طلب من أزواجهن المسجونين أداء جانب من واجباتهم الأبوية من خلال ممارسة السلطة والتأثير على أطفالهم الأكبر سنًا والذكور بشكل عام. وبالاقتران مع الدراسات الحديثة حول الأبوة، تشير مثل هذه المراسلات إلى أن آباء الطبقة العاملة كان من المفهوم أنهم أكثر من مجرد معيلين، وأن خسارتهم كانت محسوسة بطرق غير مادية.

وإن القدرة المحدودة التي تمتلكها زوجات الطبقة العاملة، ولا سيما عدم قدرتهن على العيش بشكل مستقل عن أزواجهن، تعني أن فقدان الزوج كان من نواحٍ كثيرة أكثر صدمة من فقدان الزوجة، فقد توسلت العديد من الزوجات القلقات والبائسات إلى المشرف من أجل إطلاق سراح أزواجهن لأنهم يخشون الجوع والفقر. وسعى البعض لإعانات الفقراء أو استقبال المستأجرين لتحمل نفقات الحياة. ولم يكن أمام الآخرين خيار سوى تفكيك منازلهم، بينما فكر البعض في بيع ممتلكاتهم، لكن البعض الآخر إما تزوج أو تعايش مع الوضع. واتخذت بعض الزوجات قرارات صعبة بإرسال أبنائهن إلى منزل اللقطاء والمشردين أو البحث عن مدارس مجانية تستقبلهم لأنه كان يعتبر “الأفضل للطفل، حيث سيحصلون على ما لم يستطعن توفيره لهم.

وكان آباء المرضى حزينين ومهددين بفقدان الذكر الذي يعيل الأسرة بكسب أجره. فبدون معاشات حكومية، اعتمد الكثيرون على أطفالهم الذين يتقاضون رواتبًا. وعلى الرغم من الصعوبات المادية التي يخشى البعض منها، فإن أزواج وزوجات بعض المرضى لم يكن لديهم خيار سوى إعادة صياغة دورهم في الأسرة. وفي الحياة العادية، عانى بعض الرجال والنساء المتقدمين في السن من فقدان هوية الأبوة أو الأمومة عندما أصبح أطفالهم مستقلين. وإن الجهود المبذولة لمساعدة الأطفال البالغين المعتمدين على أنفسهم قد أتاحت لوالدي المرضى الفرصة لمواصلة (أو استئناف) دورهم الأبوي. وقد حاول البعض التأثير على تجربة أطفالهم اللذين في برودمور، لتقديم الطمأنينة، ووعدوا بالعناية بهم في حالة إطلاق سراحهم. وأظهر آباء الأبناء ارتباطهم بهم بالطرق التقليدية، ووعدوا بتوفير العمل أو التوجيه المهني عند إطلاق سراحهم، مثلما كان من الممكن أن يفعلوا عندما كانوا على أعتاب مرحلة البلوغ.

ومن الصعب تحديد شعور الأطفال الصغار حيال فقدان أحد الوالدين بسبب المصحة. وغالبًا ما كان الأوصياء على الأطفال الصغار ينقلون رسائل منهم إلى قريبهم المسجون فيها قبلات ليلة سعيدة وأمنياتهم، وتهنئة بالأعياد. وقد زيّن البعض رسائلهم المرسلة لأطفالهم بالزخارف من أجل أن يشعروهم بالمحبة بسبب صعوبة ذلك بمجرد الكتابة. وبالتأكيد، لا يبدو أن بعض الأطفال الصغار يفهمون أهمية أو سبب نقل أخبارهم لوالدهم المحتجز. وسواء كان ذلك بالإضافة إلى الزيارة أو للتعويض عن عدم القدرة على القيام بذلك، يمكن قراءة تقديم هذا التذكار على أنه عمل من أعمال الرعاية، ويهدف إلى الراحة والطمأنينة.

وتم الحفاظ على بعض العلاقات بين الأطفال والوالدين من خلال المراسلات، وتطورت مع تقدم الأطفال في العمر. وكما حدث أيضًا في الظروف العادية، عندما أصبح الأطفال أقل اعتمادًا على الوالدين في الإعالة، طلبوا بدلاً من ذلك النصيحة. وقد قام الأبناء على وجه الخصوص بتفصيل معاناتهم اليومية لآبائهم، ربما على أمل الحصول على بعض التوجيه، بينما رفض الأبناء الآخرون محاولات آبائهم لإرشادهم. وقد تمت بعض المحاولات من الأبناء لقطع علاقاتهم مع آبائهم وحرمانهم من فرصة أداء دورهم الأبوي، والتي لم تكن بالضرورة نتيجة لمشاعر قاسية سببها سجنهم، لكنها عكست التوترات بين الآباء الفيكتوريين العاديين وأبنائهم. بينما صممت بعض العائلات على حماية الأطفال من صدمة الزيارة أو الاستماع إلى أقاربهم، والذي قد يؤدي إلى توتر أسري.

وحاول بعض أفراد الأسرة البقاء على قيد الحياة والمضي قدمًا على طريقتهم الخاصة، فالأب الذي أخبر ابنه أن والدته ماتت، والأم التي حاولت منع أطفالها من التواصل مع والدهم، والأزواج الذين تزوجوا مرة أخرى، وزوجة الابن القلقة التي توسلت سرًا إلى المشرف أن يرفض التماس زوجها للإفراج عن والده. ولكن من المحتمل أن يكون لكل من طرق البقاء هذه عواقب مدمرة أخرى، مثل التوتر والصراع والسرية داخل المنزل. فتكشف المراسلات عن صراعات بين أفراد الأسرة ربما لم تكن موجودة في العادة.

ويتضح من الأمثلة المدرجة في المقال أن فقدان صاحب الأجر أو ربة المنزل كان له آثار كبيرة على الأسرة، مما قد لا يتسبب فقط في الفقر ولكن أيضًا يؤدي إلى إعادة تشكيل مؤقتة أو دائمة للأسرة، وتطوير الاعتماد على شبكات القرابة للحفاظ على صحة الأسرة وسلامتها، وتشكيل العلاقات الأسرية. والأهم من ذلك، أنه يوضح أن من دخل المصحة له قيمة، فالتأثيرات على أفراد الأسرة ومخاوفهم تعتمد على علاقتهم بالمريض. حيث بالنسبة للأزواج، يؤثر الجنس والطبقة على أهمية التأثيرات، ولكن مرحلة حياة الفرد والقدرة على الوصول إلى شبكات الدعم الأسرية كانت مهمة أيضًا، مما لا يثير الدهشة أن أولئك الذين لديهم سلطة أسرية محدودة شعروا بآثار فقدان قريب لبرودمور أكثر من غيرهم. ولم يشعر الآباء وبعض الزوجات بالآثار على الفور فحسب، بل خسروا أيضًا مستقبلهم المتصور الآمن ماليًا، لأن هذا التوقع كان مبنيًا على دعم الزوج أو الطفل. وواجهت الزوجات أيضًا التحدي الأكبر لشعورهن بالذات، خاصة إذا كان عليهن ترك منازلهن، أو السماح للآخرين برعاية أطفالهن، أو القيام بدور غير متوقع. وقد يفسر هذا سبب كون الزواج يبدو أنه الرابطة الأكثر هشاشة، بينما أثبتت القرابة بالدم أنها الأكثر مرونة.

وإن زيارة بعض أفراد الأسرة رغم التحديات العملية والعاطفية المطروحة في المقال، تشير إلى قوة ارتباطهم. ومن الأمثلة المذكورة، إخلاص زوج لزوجته المريضة الذي يتجلى في زياراته. فعندما زارها زوجها وأمضى معها ثلاثة أيام رفضت التحدث إليه، ورغم صمت زوجته، عاد ليجلس معها كل يوم لمدة ثلاثة أيام. حيث لا يمكننا معرفة سبب عودته، لكن على عكس الأقارب الآخرين الذين سألوا مشرف المصحة عما إذا كانت الزيارة جديرة بالاهتمام، فهل سيتعرف عليهم المريض؟ أو هل سيستطيع التعرف عليهم؟ ويبدو أن هذا الزوج لم يكن مهتمًا بمثل هذه الأمور. وربما كان يأمل أن تتحدث زوجته معه، ولكن عندما يواجه احتمال أن يكون كل يوم هو نفسه، يبدو أنه فضل الجلوس معها في صمت على عدم الجلوس على الإطلاق.

وتحتوي بعض ملفات حالات المرضى على سجلات الزوار التي توضح بالتفصيل من زار من ومتى. ولم يكن لدى الجميع ملفات، فقد يُفترض أن هؤلاء المرضى لم يستقبلوا أي زوار وكانوا، كما اشتكى وخاف بعض المرضى أي أنهم مهجورين من قبل عائلاتهم. وبالتأكيد لم تكن جميع العائلات على استعداد لزيارة أحد الأقارب المجرمين، ولكن وجود عدد قليل من سجلات الزوار أو عدم وجودها أو تضاؤلها ليس بالضرورة دليلًا على الهجر. فإن فحص المراسلات مع المشرف يكشف عن أسباب مختلفة لعدم تمكن العائلات من الزيارة أو عدم زيارتها، مما يضيف بشكل كبير إلى فهمنا لمدى وتأثير المصحة، مع تسليط الضوء في الوقت نفسه على العلاقات الأسرية. وهناك أسباب عملية متوقعة مثل افتقار العائلات إلى المال والوقت للقيام برحلة طويلة إلى مصحة برودمور. وكان هناك تحديات عاطفية أيضًا تمنهم من الزيارة، فقد حاول بعض أفراد الأسرة تجنب الزيارات الصعبة عاطفياً. وكان قد يشعر الكثيرون منهم من أن قريبهم فقد إحساسه بقيمتهم، كما أن الحزن المحتمل لمقابلة شخص لم يتعرفوا عليه بعد الآن ردع البعض عن زيارته.

وتقدم بعض أفراد الأسرة بالتماس لإطلاق سراح أقاربهم، سعياً منهم لتقليل الأعباء المادية والعاطفية التي تسببت فيها الكتابة إلى أو زيارة برودمور. ولكن القيام بذلك، وواقع الحياة الأسرية بعد التسريح، تسبب في بعض الأحيان في مزيد من الحزن، وتقليص سلطة العائلات. فكان التقدم بطلب للإفراج يعتبر عملية بيروقراطية تستغرق وقتًا طويلاً، وعادة ما كان غير ناجح. وإن قيام العديد من العائلات بذلك، يشير إلى قوة ارتباطهم ببعضهم البعض. وتكشف المراسلات عن أسباب مختلفة وراء رغبة العائلات في عودة أحد الأقارب إلى المنزل. وبينما كان الفقر هو الدافع وراء بعض الالتماسات إلى برودمور، فإن المخاوف الاقتصادية لم تكن دائمًا الدافع أو العامل الوحيد. فأرادت العائلات عودة أقاربهم لأنهم أحبوهم وافتقدوهم ولم يرغبو أن يموتوا وحدهم في برودمور، حيث علاوة على ذلك، عرضوا دعم أقاربهم ماديًا عند الإفراج عنهم.

وعرضت بعض العائلات توفير مساحة لأقاربهم والعناية بهم في منازلهم التي غالبًا ما تكون مكتظة بالفعل. ومن المثير للدهشة أن بعض العائلات كانت مستعدة وقادرة على فتح منازلها لقريب تسببت جريمته وإدخاله المصحة في معاناتهم، ولكن البعض كان مستعدًا حتى للترحيب بالمختلين عقليًا المجرمين غير المرتبطين بهم. فقدم زوج مريضة سابقة مسكنًا ودعمًا ماليًا لمريضة كانت قد صادقتها زوجته في برودمور، ظنًا منه أنه سيزيد من سعادة زوجته التي خرجت من المستشفى.

وبالنسبة لدفن المرضى، فقد تم دفن معظم المرضى الذين ماتوا في برودمور هناك لأنه لم يكلف العائلات شيئًا، ولكن بعض العائلات ندمت على هذا. وكما أعرب العديد من أفراد الأسرة عن أسفهم لعدم قدرتهم على حضور جنازات أقاربهم، بسبب التكلفة والمسافة الطويلة جدًا. وفي حين أن مواقع الدفن في العصر الفيكتوري المعتادة كانت مكانًا مثالي للتعبير عن الحزن وإحياء الذكرى من خلال تركيب شواهد القبور وهدايا الزهور وزيارات القبور، إلا أن برودمور كانت شديدة التقشف نسبيًا. ولكن المقابر الفارغة وغير المزخرفة لا تمثل حياة غير محبوبة أو منسية، بل تمثل المصاعب والمسؤوليات التي لا يمكن التغلب عليها التي تواجهها العائلات العاملة للمختل عقليًا المجرم في العصر الفيكتوري. وعلى الرغم من أن مكان الدفن في برودمور استقبل بلا شك عددًا أقل من المعزين مقارنة بالمقبرة الفيكتورية النموذجية، إلا أن بعض أفراد الأسرة كانوا قادرين على الزيارة للحزن والتذكر. وبعد جنازة أحد الأقارب، استمرت بعض العائلات في إظهار حبهم. وقد رفضت بعض العائلات دفنًا خاصًا لاعتقادهم أنه بعد سنوات من السجن، كان برودمور مكان الراحة المناسب لأقاربهم. وانتهز آخرون الفرصة لترتيب جنازة بعيدًا عن المصحة. وبعد سنوات من المحاولة والفشل في تحرير أحبائهم من المصحة، كانت ممارسة القوة لإزالة أجسادهم من برودمور إحدى الطرق التي تُظهر بها العائلات حبهم وتعلقهم بهم. وهذا يعني أيضًا أنه يمكنهم أخيرًا الوفاء بوعدهم الذي غالبًا ما يكون لسنوات لإعادة أقاربهم إلى موطنهم، دون موافقة وزارة الداخلية ومشرف المصحة.

وفي النهاية، يختتم مؤلف المقال بالحث على مواصلة البحث في الآثار العاطفية بدل الاقتصادية. فتُظهر أهمية ومرونة الروابط الأسرية العاطفية لأفراد أسرة المرضى الموجودة في المقال أنه من أجل الفهم الكامل لكيفية انعكاس آثار الالتزام خارج أسوار المصحة، يجب إعادة تقييم مجموعات المراسلات الأخرى مع مشاركة أوثق مع تاريخ الأسرة. وسيسمح القيام بذلك بمراجعة الافتراضات الحالية حول الآثار الأكثر أهمية على العائلات، وسيزيد من إلقاء الضوء على آثار إدخال المرضى للمصحة على مفاهيم الذات والأسرة. وعلى الرغم من أنه خارج نطاق هذا المقال، إلا أن مقارنة كيفية تعامل العائلات في مناطق مختلفة مع فقدان أحد أقربائها في اللجوء قد تكشف عن الدور الذي لعبته الاختلافات الاجتماعية والثقافية الإقليمية والتفاهمات المحلية للقرابة في قدرة الأسرة على تحمل إدخال أحد الأقارب، وإلقاء مزيد من الضوء على تاريخ الأسرة. ويجب على المؤرخين الاستمرار في النظر إلى ما وراء جدران المصحة. ففقط عندما يتم فهم الآثار الاجتماعية الأوسع نطاقًا للإدخال للمصحة طويل الأجل وبعيد المدى، سيتم البدء في فهم المدى الكامل لدور وأهمية المصحة في العصر الفيكتوري.

 

تعليق المدون:

إن هذا المقال لم يكن من أسهل المقالات التي ترجمتها، ولكنه بالتأكيد كان أكثرها إثارة للاهتمام. فكيف يمكن لرسائل قد تركها الزمن وراءه أن توضح وتبين معاناة الأسر في العصر الفيكتوري. إن ترجمة هذا المقال قد تركت أثرًا عاطفيًا في داخلي بسبب كثرة المشاعر في الرسائل المكتوبة من وإلى العوائل، من أبناء وزوجات وآباء. سيكون هذا المقال مفيد لجميع الراغبين بالتعرف على أوضاع الأسر في العصر الفيكتوري بالأخص.

المقال الأصلي:

الكاتب: جايد شيبرد

الناشر: مطبعة جامعة كامبريدج

الرابط: doi:10.1017/S0018246X19000463

Share This Post
Have your say!
00

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.